أحمد عبد الله أبو زيد العاملي

69

محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )

وأمانته ، إنّ هذه اللذّة أيّها الأعزّاء هي سلوتنا في هذا الطريق الطويل ، إنّ هذه اللذّة وحدها هي أعظم اللذّات ، هي اللذّة الكبرى التي يجب أن تملأ وجودها والتي يجب أن تهزّ مشاعرنا . إنّ هذه اللذّة لا يعرف حلاوتها ولا يعرف كنهها إلّا أولئك الذين ساروا في هذا الطريق إلّا الذين حملوا الرسالة واتّبعوا طريق الأنبياء واقتفوا أثر الأوصياء ، إنّ هذه اللذّة هي سلوتنا ، إنّ رضا الله هو غايتنا ، إنّ الله معنا ما دمنا معه ، فلنكن أمينين في أهدافنا وفي رسالتنا ، ولنكن مع الله ليكون الله معنا ، والله وليّ التوفيق . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته » « 1 » . وقد جاء في كلمته الثانية : « بسم الله الرحمن الرحيم حول الأعباء الرساليّة التي لنا شرف التحدّث بها والسير في خطّها والالتفات إلى أهدافها ومتطلّباتها ، إنّ هذا السير وهذا الانفتاح لكي يكون سيراً واعياً وانفتاحاً محدّداً بصيراً ذكيّاً يجب أن نطرح بين أيدينا على بساط البحث كلّ المفاهيم التي ترتبط بموقفنا ممّا حولنا وبموقفنا من عملنا وموقفنا من غيرنا ، لكي نحدّد خطوط العمل وننقل المفاهيم التي تلتزم مع طبيعة تلك الأعباء الرساليّة وتتّفق مع الوجود وتبعات المبلّغين السائرين بموكب الأنبياء والأوصياء . وعلى هذا الأساس طرحنا في حديثنا السابق مشكلة الدنيا وموقف الداعية من الدنيا ، وذكرنا بإزاء هذه المشكلة اتّجاهات متعارضة بعضها سلبي وبعضها إيجابي منحرف ، وحاولنا أن نرسم الموقف الصحيح الذي يتلاءم مع طبيعة الرسالة ، وهو الموقف الإيجابي من الدنيا والمستعلي عليها في وقت واحد . ومواصلةً للخطّ يجب أن نطرح الآن نقطتين مهمّتين أخريين : إحداهما : حول العلم ومدى ضرورة البحث العلمي للداعية الذي ينهض بأعباء الرسالة . والنقطة الثانية : حول النظام والتنظيم . أمّا بالنسبة إلى النقطة الأولى ، كثيراً ما يسمع السامعون في النقطة الأولى الحديث عن البحث العلمي وضرورته أو تفاهته ، وكثيراً ما يسمع السامعون بالنسبة إلى النقطة الثانية حديثاً عن تنظيم الدراسة للحوزة وأهمّيّته أو عدم جوازه . فلا بدّ لنا أن نتّخذ موقفاً محدّداً واعياً في هاتين النقطتين . 1 - أمّا بالنسبة إلى النقطة الأولى فنحن نجد في هذه النقطة كما وجدنا في مسألة الدنيا والتقيّد بمقابلها ، نجد هنا كما وجدنا هناك اتّجاهين متناقضين كلّ التناقض يقبل أحدهما على العلم والتعمّق العلمي بوصفه غاية نهائيّة ولا يعني الباحث سواها . ويعرض الاتّجاه الآخر إعراضاً كاملا عن التوغّل في هذا الطريق ويعتبره تساهلًا غير مشروع ، لأنّه يصرف الإنسان عن مجالات العمل الحقيقي للإسلام . يقول أصحاب الاتّجاه الأوّل : إنّ الفقيه عالم بطبيعته وهو مسؤول بصورة رئيسيّة عن القيام بأعباء العمل الإسلامي ومواصلة الخطّ الفكري الذي سار عليه العلم لكي تحتفظ الشريعة بشكلها في كلّ زمان ، هذا الفكر الذي يكفل الوصول إلى أحكامها وتعلّم حلالها وحرامها . فطبيعة الفكر العلمي أن ينمو ويُدقّق ويتقنّن ويتعمّق كلّما واصل العلماء البحث وقطعوا شوطاً بعد شوط . وما دام الفقيه يواكب عمله العلمي بكلّ متطلّباته فليس عليه بعد ذلك أن ينظر إلى خارج ميدانه . وأذكر أنّ هذه القصّة كانت تدور على أمثلة عديدة كمثل رفيع للشخصيّة الفقهيّة المتمسّكة بعملها الأصيل .

--> ( 1 ) انظر هذه المحاضرة في كتاب ( ومضات ، تراث الشهيد الصدر 355 : 17 - 371 ) ، والذي سينشر قريباً بإذن الله تعالى .